البغدادي
339
خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب
قائمان ، إذ لو كان الرفع على غير التوهّم ، لكان خليقا أن يجيء مع ظهوره . فلما لم يكن كذلك دلّ على أنهم اعتقدوا أنّ المنصوب مرفوع ، فعطفوا على اللفظ كما قال الشاعر : « ولا سابق شيئا » بالخفض ، متوهّما أنه قال : لست بمدرك ما مضى ، فلذلك جعله سيبويه من باب الغلط . واللّه أعلم . انتهى . وكذا في « المغني لابن هشام » قال : أجيب عنه بأمرين : أحدهما : أنه عطف على توهّم عدم ذكر إنّ . والثاني : أنه تابع لمبتدأ محذوف ، أي : إنّك أنت وزيد ذاهبان . وعليهما خرّج قولهم : إنهم أجمعون ذاهبون . انتهى . وفي أمالي الزجاجي الصغرى « 1 » : أخبرنا أبو جعفر أحمد بن محمد بن رستم الطّبريّ ، قال : أخبرنا أبو عثمان المازني ، قال : قرأ محمد بن سليمان الهاشمي ، وهو أمير البصرة ، على المنبر : « إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ » « 2 » ، بالرفع ، فعلم أنه قد لحن ، فبعث إلى النحويين ، وقال لهم : خرّجوا له وجها « 3 » . فقالوا : نعطف به على موضع إنّ ، لأنها داخلة على المبتدأ والخبر . فأحسن « 4 » صلتهم ولم يرجع عنها ، لئلّا يقال : لحن الأمير . وأخبرنا أبو إسحاق الزجاج ، قال : أخبرنا أبو العباس المبرد عن المازني ، قال : حدثني الأخفش ، قال : كان أمير في البصرة « 5 » يقرأ على المنبر : « إنّ اللّه وملائكته يصلّون على النبي » ، بالرفع ، فصرت إليه ناصحا له ، ومنبّها ، فتهدّدني ، وأوعدني وقال : تلحّنون أمراءكم ثم عزل وتقلّد محمد بن سليمان الهاشمي ، فكأنه تلقّنها من في المعزول « 6 » ، فقلت : هذا هاشمي نصيحته واجبة ، فجبنت عنه ، وخشيت أن يتلقّاني بمثل ما تلقّاني به الأول .
--> ( 1 ) أخبار أبي القاسم الزجاجي ص 24 ؛ وأمالي الزجاجي ص 226 ؛ وإنباه الرواة 2 / 43 ؛ ومجالس العلماء ص 54 ؛ ومنه شيء في البيان والتبيين 1 / 295 . ( 2 ) سورة الأحزاب : 33 / 56 . ( 3 ) في أخبار الزجاجي ص 24 : " خرجوا لها وجها " . ( 4 ) في أخبار الزجاجي : " فأجازهم وأحسن صلتهم " . ( 5 ) في أخبار الزجاجي : " كان أمير البصرة قرأ على المنبر " . ( 6 ) في أخبار الزجاجي ومجالس العلماء : " من المعزول " . وفي إنباه الرواة : " من فم المعزول " .